النووي
403
تهذيب الأسماء واللغات
وكان يؤثر رضا اللّه تعالى على كل شيء ، ولو أخذته السيوف في اللّه تعالى لاحتملها . وعن ابن المبارك قال : ما رأيت أورع من أبي حنيفة ، قد جرّب بالسياط والأموال . وعن قيس بن الربيع قال : كان أبو حنيفة ورعا فقيها كثير البرّ والصّلة لكل من لجأ إليه ، كثير الإفضال على إخوانه ، وكان يبعث البضائع إلى بغداد ، فيشتري بها حوائج الأشياخ المحدّثين وأثوابهم وكسوتهم وما يحتاجون إليه ، ثم يعطيهم باقي الدنانير من الأرباح ، ويقول : أنفقوها في حوائجكم ، ولا تحمدوا إلا اللّه تعالى ، فإنه واللّه مما يجريه اللّه لكم على يدي ، فما في رزق اللّه حول لغيره . وعن حفص بن حمزة القريشي ، قال : كان أبو حنيفة ربما مر به الرجل فيجلس إليه لغير قصد ولا مجالسة ، فإذا قام سأل عنه ، فإن كان به حاجة وصله ، وإن مرض عاده حتى يجبره إلى مواصلته ، وكان أكرم الناس مجالسة . وعن أبي يوسف قال : كان أبو حنيفة لا يكاد يسأل حاجة إلا قضاها . وعن إسماعيل بن حمّاد ابن أبي حنيفة : أن أبا حنيفة وهب لمعلّم ابنه حماد خمس مائة درهم حين حذق حمّاد . وعن جعفر بن عون قال : أتت امرأة إلى أبي حنيفة تشتري منه ثوب خز ، فأخرج لها ثوبا ، فقالت : أنا ضعيفة ، وإنها أمانة ، فبعني هذا الثوب بما يقوم عليك . فقال : خذيه بأربعة دراهم . فقالت : لا تسخر بي ، أنا عجوز كبيرة . فقال : اشتريت ثوبين ، فبعت أحدهما برأس المال إلا أربعة دراهم ، فبقي هذا بأربعة دراهم . وعن ابن المبارك قال : قلت لسفيان الثوري : ما أبعد أبا حنيفة من الغيبة ! ما سمعته يغتاب عدوا له قط . قال : هو واللّه أعقل من أن يسلّط على حسناته ما يذهب بها . وعن علي بن عاصم قال : لو وزن عقل أبي حنيفة بعقل نصف أهل الأرض لرجح بهم . وعن إسماعيل بن حمّاد بن أبي حنيفة ، قال : كان عندنا طحان رافضي له بغلان ، فسمى أحدهما أبا بكر والآخر عمر ، فرمحه « 1 » أحدهما فقتله ، فأخبر أبو حنيفة ، قال : انظروا الذي رمحه الذي سماه عمر . فنظروا فوجدوه كذلك . وعن عبد الواحد بن غياث ، قال : كان أبو العباس الطّوسي يسيء الرأي في أبي حنيفة ، وكان أبو حنيفة يعرف ذلك ، فدخل أبو حنيفة على أمير المؤمنين المنصور ، وكثر الناس ، فقال الطوسي : اليوم أقتل أبا حنيفة . فقال لأبي حنيفة : إن أمير المؤمنين يأمرنا بضرب عنق الرجل ما ندري ما هو ، فهل لنا قتله ؟ فقال : يا أبا العباس ، أمير المؤمنين يأمر بالحق أو بالباطل ؟ قال : بالحق . قال : اتبع الحق حيث كان ، ولا تسأل عنه . ثم قال أبو حنيفة لمن قرب منه : إن هذا أراد أن يوثقني فربطته . وعن وكيع قال : دخلت على أبي حنيفة ، فرأيته مطرقا مفكّرا ، فرفع رأسه وأنشأ يقول شعرا : إن يحسدوني فإنّي غير لائمهم * قبلي من الناس أهل الفضل قد حسدوا فدام لي ولهم ما بي وما بهم * ومات أكثرنا غيظا بما يجد وعاب بعض الناس عند ابن عائشة أبا حنيفة ، فقال ابن عائشة : قال الشاعر : أقلّوا عليهم ويحكم لا أبا لكم * من اللّوم أو سدّوا المكان الذي سدّوا ولد أبو حنيفة سنة ثمانين من الهجرة ، وتوفي ببغداد سنة خمسين ومائة ، هذا هو المشهور الذي قاله الجمهور ، وكذا رواه الخطيب عن الجمهور ، ثم
--> ( 1 ) أي : رفسه .